محمد أمين المحبي
15
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )
إن نشط لمغازلة الغزلان فموصوف بظرف أبي عبادة ، أو انتسب لنسيب قدود الغانيات فأين منه ابن ميّادة . وإن انتدب لوصف الحميّا والكاس ، أنسى ذكر خمريّات أبي نواس . وإن رثى عمّ مراثي أبي تمّام ، وأملى نياحة الفرخ على الحمام . فهو أعوم في بحور الشعر من ابن قادوس ، وأصلح إذا جدّ وهزل من ابن حجّاج وابن عبد القدّوس . له فكرة في النّظم صافية ، ما عوّقت له قطّ قافية . فإذا أملى من نظمه واختالها من روض الجنان مقتطعة ، لم ينته له إسراع ، ولم يجّفّ له في يده براع . وليس بتزويق اللّسان وصوغه * ولكنّه ما خالط اللّحم والدّما وقد حلب الدّهر أشطره ، وملأ كتاب عمره أسطره . وحادث أحداثه ، وبذّ كهوله وأحداثه . وأخبرني والدي ، قال : رأيته ولحيته أنقى من الفضّة ، وأيام حياته قاربت أن تصير منفضّة . ومع أن السّنين لاكت قواه ، لم يزل مع الرّكب اليمانين هواه . ومضى زمن وأدباء الشّام به يحتفلون ، ويحكم بينهم فيما هم فيه مختلفون . وبلغني أنه كان يحضر السّوق ، وهو من كسب يمينه على جانب من الوثوق . عاملا بالأثر : « لو كنت تاجرا لأتّجرت بالطّيب إن فاتني ربحه ما فاتني ريحه » . فانظر إلى ما سافه كساد سوقه ، وضيعة حقوقه . على أن له في سوقه الفضلاء أسوة ، وكأنه استعار منهم لأشعاره كسوة . هاتان الفقرتان للباخرزي ، احتجتهما ، ففي هذا المحلّ أدرجتهما . قال : « وهم ، نصر بن أحمد الخبزرزّيّ ، وأبو الفرج الوأواء الدّمشقي ، والسّريّ الرّفّاء الموصليّ » . قلت : وهم الذين إذا تليت آياتهم المنسوقة ، كان من تقدّمهم من الأدباء عندهم سوقة . أما نصر ، فكان يصنع خبز الأرز بالبصرة وتجتمع الأدباء بحانوته . وأما أبو الفرج فقد كان يسعى بالفواكه رائحا وغاديا ، ويتغنّى عليها مناديا . وأما السّريّ ، فقد كان يطرّز الخلق ، ويرفأ الخرق ، ويصف تلك العبرة ، ويزعم أنه يسترزق الإبرة . وكيف ما كان فالحرفة لا تخلو من حرفة ، والصّنعة لا تنجو من صرعة ، والبضاعة لا تسلم من إضاعة ، والمتاع ليس لأهله به استمتاع » . وأخبرت أنه كان سموحا بما ملك ، متخلّيا عن الإمساك أيّة سلك .